الآلوسي
58
تفسير الآلوسي
اليوم عقيب السؤال والجواب . وأياً ما كان فتخصيص الملك به تعالى في ذلك اليوم إنما هو بالنظر إلى ظاهر الحال من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط وظهور ذلك للكفرة والجهلة . وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً . وذهب محمد بن كعب القرظي إلى أن السؤال والجواب منه تعالى ويكونان بين النفختين حين يفنى عز وجل الخلائق . وروي نحوه عن ابن عباس . أخرج عبد بن حميد في " زوائد الزهد " . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه . وأبو نعيم في الحلية عنه رضي الله تعالى عنه قال : " ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله سبحانه إلى السماء الدنيا فيقول : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار " والسياق ظاهر في أن ذلك يوم القيامة فلعله على تقدير صحة الحديث يكون مرتين . ومعنى جزاء النفوس بما كسبت أنها تجزى خيراً إن كسبت خيراً وشراً إن كسبت شراً . وقيل : إن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذتها وألمها لكنها لا تشعر بها في الدنيا فإذا قامت قيامتها وزالت العوائق أدركت ألمها ولذتها . والظاهر أن هذا قول باللذة والألم الروحانيين ونحن لا ننكر حصولهما يومئذٍ لكن نقول : إن الجزاء لا ينحصر بهما بل يكون أيضاً بلذة وألم جسمانيين . فالاقتصار في تفسير الآية على ذلك قصور . * ( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الاَْزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ) * . * ( وَأَنْذرْهُمْ يَوْمَ الآزفَة ) * يوم القيامة كما قال مجاهد . وقتادة . وابن زيد ، ومعنى * ( الآزفة ) * القريبة يقال : أزف الشخوص إذا قرب وضاق وقته ، فهي في الأصل اسم فاعل ثم نقلت منه وجعلت اسماً للقيامة لقربها بالإضافة لما مضى من مدة الدنيا أو لما بقي فإن كل آت قريب ، ويجوز أن تكون باقية على الأصل فتكون صفة لمحذوف أي الساعة الآزفة ، وقدر بعضهم الموصوفة الخطة بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة وهي القصة والأمر العظيم الذي يستحق أن يخط ويكتب لغرابته ، ويراد بذلك ما يقع يوم القيامة من الأمور الصعبة وقربها لأن كل آت قريب ، والمراد باليوم الوقت مطلقاً أو هو يوم القيامة ، وقال أبو مسلم : * ( يوم الآزفة ) * يوم المنية وحضور الأجل . ورجح بأنه أبعد عن التكرار وأنسب بما بعده ووصف القرب فيه أظهر * ( إذْ الْقُلُوبُ لَدَى الحَنَاجر ) * بدل من * ( يوم الآزفة ) * و * ( الحناجر ) * جمع حنجرة أو حنجور كحلقوم لفظاً ومعنى ؛ وهي كما قال الراغب : رأس الغلصمة من خارج وهي لحمة بين الرأس والعنق ، والكلام كناية عن شدة الخوف أو فرط التألم ، وجوز أن يكون على حقيقته وتبلغ قلوب الكفار حناجرهم يوم القيامة ولا يموتون كما لو كان ذلك في الدنيا . * ( كَاظمينَ ) * حال من أصحاب القلوب على المعنى فإن ذكر القلوب يدل على ذكر أصحابها فهو من باب * ( ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً ) * ( الحجر : 47 ) فكأنه قيل : إذ قلوبهم لدى الحناجر كاظمين عليها ، وهو من كظم القربة إذا ملأها وسد فاها ، فالمعنى ممسكين أنفسهم على قلوبهم لئلا تخرج مع النفس فإن كاظم القربة كاظم على الماء ممسكها علية لئلا يخرج امتلاء . وفيه مبالغة عظيمة ، وجوز كونه حالاً من ضمير * ( القلوب ) * المستتر في الخبر أعني * ( لدى الحناجر ) * وعلى رأي من يجوز مجىء الحال من المبتدأ كونه حالاً من * ( القلوب ) * نفسها . وجمع جمع العقلاء لتنزيلها منزلتهم لوصفها بصفتهم كما في قوله تعالى : * ( فظلت أعناقهم لها خاضعين ) * ( الشعراء : 4 ) والمعنى حال كون القلوب كاظمة على الغم والكرب ، ومنه يعلم أنه لا يجوز أن يكون * ( لدى الحناجر ) * ظرف * ( كاظمين ) *